فخر الدين الرازي

179

تفسير الرازي

انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : * ( كأن لم يكن بينكم وبينه ) * يعني الرسول : * ( مودة ) * فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنما يمكن حمله على المنافقين ، ثم قال : فان حمل على أنه من الابطاء والتثاقل صح في المنافقين ، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم ، فقد كان يثبطون كثيراً من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين ، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ ، فجعلوا الأول لازما ، والثاني متعدياً ، كما يقال في أحب وحب ، فان الأول لازم والثاني متعد . المسألة الثانية : قال الزجاج : " من " في قوله : * ( لمن ليبطئن ) * موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن . ثم قال تعالى : * ( فان أصابتكم مصيبة ) * يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش . يعني لم أكن معهم شهيداً حاضراً حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة * ( ولئن أصابكم فضل من الله ) * من ظفر وغنيمة ليقولن : * ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم * ( كأن لم تكن ) * بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة ، والباقون بالياء لتقدم الفعل . قال الواحدي : وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل . قال : * ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) * ( يونس : 57 ) وقال في آية أخرى : * ( فمن جاءه موعظة من ربه ) * ( البقرة : 275 ) فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي ، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل . المسألة الثانية : قرأ الحسن * ( ليقولن ) * بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى " من " لأن قوله : * ( لمن ليبطئن ) * في معنى الجماعة ، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن " من " وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ ، وجانب الافراد قد ترجح في قوله : * ( قال قد أنعم الله علي ) * ( النساء : 72 ) وفي قوله : * ( يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) * . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لو كان التنزيل هكذا : ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا ، فكيف وقع قوله : * ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) * في البين ؟ وجوابه : أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن ، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم ، ولو فازوا بغنيمة